الخطيب البغدادي

117

تاريخ بغداد

ثم أخذ بيدي وخرجنا من الخان فقال : أريد أن أمضي إلى قوم لا تحملهم ولا يحملونك ، ولكن نلتقي . وملا كفي دنينيرات ثم غاب عني ، فقيل لي إنه ببغداد بعد سنة فجئته ، فقيل لي : السلطان يطلبه ، فبينا انا في الكرخ بين السورين في يوم حار ، فإذا به من بعيد عليه فوطة رملية متخفيا فيها ، فلما رآني بكى وأنشأ يقول : متى سهرت عيني لغيرك أو بكت * فلا بلغت ما أملت وتمنت وإن أضمرت نفسي سواك فلا رعت * رياض المنى من وجنتيك وجنت ثم قال : يا علي ، النجاء ، أرجو ان يجمع الله بيننا إن شاء الله . أنبأنا محمد بن علي بن الفتح ، أنبأنا محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري قال : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت محمد بن علي الكتاني يقول : دخل الحسين بن منصور مكة في ابتداء أمره ، فجهدنا حتى أخذنا مرقعته ، قال السوسي : أخذنا منها قملة فوزناها فإذا فيها نصف دانق من كثرة رياضته ، وشدة مجاهدته . حدثني مسعود بن ناصر ، أنبأنا ابن باكوا الشيرازي قال : سمعت أبا عبد الله الحسين بن محمد المراري يقول : سمعت أبا يعقوب النهرجوري يقول : دخل الحسين ابن منصور إلى مكة وكان أول دخلته ، فجلس في صحن المسجد سنة لا يبرح من موضعه إلا للطهارة أو للطواف ، ولا يبالي بالشمس ولا بالمطر ، وكان يحمل إليه كل عشية كوز ماء للشرب ، وقرص من أقراص مكة ، فيأخذ القرص ويعض أربع عضات من جوانبه ، ويشرب شربتين من الماء : شربة قبل الطعام ، وشربة بعده ، ثم يضع باقي القرص على رأس الكوز فيحمل من عنده . وقال ابن باكوا : حدثنا أبو الفوارس الجوزقاني ، حدثنا إبراهيم بن شيبان . قال : سلم أستاذي ي يعني أبا عبد الله المغربي - على عمرو بن عثمان المكي ، فجاراه في مسألة فجرى في عرض الكلام أن قال عمرو بن عثمان : ههنا شاب على أبي قبيس ، فلما خرجنا من عند عمرو صعدنا إليه وكان وقت الهاجرة ، فدخلنا عليه وإذا هو جالس على صخرة من أبي قبيس في الشمس ، والعرق يسيل منه على تلك الصخرة ، فلما نظر إليه أبو عبد الله المغربي رجع وأشار إلي بيده : ارجع ، فخرجنا ونزلنا الوادي ودخلنا المسجد ، فقال لي أبو عبد الله : إن عشت ترى ما يلقى هذا ، لأن الله يبتليه بلاء لا يطيقه ، قعد بحمقه يتصبر مع الله ! فسألنا عنه وإذا هو الحلاج .